الذهبي
173
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم ، فأمر عَبْد اللَّه بْن ياسين ضعفاءهم بالخروج إِلَى السُّوس ، وأخذ الزكاة ، فخرج منهم نحو سبعمائة رَجُل ، فقدموا سِجِلْماسَة ، وسألوا أهلها الزكاة ، وقالوا : نَحْنُ قومٌ مرابطون خرجنا إليكم نطلب حق اللَّه من أموالكم . فجمعوا لهم مالًا ورجعوا به . ثمّ إن الصحراء ضاقت بهم ، وأرادوا إظهار كلمة الحق ، وأن يسيروا إِلَى الأندلس للجهاد ، فخرجوا إِلَى السوس الأقصى ، فاجتمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فهزموهم ، وقُتِل عَبْد اللَّه بْن ياسين . وهرب أَبُو بَكْر بْن عُمَر إِلَى الصحراء ، فجمع جيشًا وطلب بلاد السوس فِي ألفي راكب ، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس ، فأرسل إليهم رُسُلًا ، وقال : افتحوا لنا الطريق فَمَا قصدنا إلا غزو المشركين . فأبوا عليه واستعدوا للحرب ، فنزل أَبُو بَكْر وصلى الظهر على درقته وقال : اللَّهُمَّ إن كُنَّا على الحق فانصرنا عليهم ، وإن كُنَّا على باطلٍ فأرِحْنا بالموتِ . ثُمَّ ركب والتقوا فهزمهم ، واستباح أَبُو بَكْر أسلابهم وأموالهم وعُددهم ، وقويت نفسه . ثُمَّ تمادى إِلَى سِجِلْماسَة فنزل عليها ، وطلب من أهلها الزكاة ، فقالوا لهم : إنما أتيتمونا فِي عددٍ قليل فوسعكم ذلك ، وضعفاؤنا كثير ، وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل ، وإنما أنتم محتالون ، ولو أعطيناكم أموالنا ما عمّتكم . وبرز إليهم مسعود صاحب سجلماسة بجيشه ، فحاربوه ، وطالت بينهم الحربُ . ثُمَّ ساروا إِلَى جبلٍ هناك ، فاجتمع إليهم خلق من كرونة ، فزحفوا إلى سجلماسة وحاربوا مسعود بن واروالي إِلَى أن قتل ، ودخلوا سِجِلْماسَة وملكوها ، فاستخلف عليها أَبُو بَكْر بْن عُمَر يوسف بْن تاشفين اللمتوني ، أحد بني عمه ، فأحسن السيرة فِي الرعية ، ولم يأخذ منهم شيئًا سوى الزكاة . وكان فتحها فِي سنة ثلاثٍ وخمسين وأربعمائة . ورجع أَبُو بَكْر إِلَى الصحراء فأقام بها مدة . ثُمَّ قدم سِجِلْماسةَ ، فأقام بها سنة وخطب بها لنفسه ، ثُمَّ استخلف عليها ابن أَخِيهِ أَبَا بَكْر بْن إِبْرَاهِيم بْن عُمَر ، وجهز جيشًا عليهم يوسف بْن تاشفين إِلَى السوس فافتتحه . وكان يوسف دَيِّنًا حَازِمًا مُجَرِّبًا ، داهية ، سائساً .